بسم الله الرحمن الرحيم

رحلة البحث عن...نا!

السبت,أيار 19, 2007


لقد فطر الله الإنسان وخلقه من ذكر وأنثى وركز في كل منهما غريزة الميل الفطري إلى الجنس الاخر، وفي ذلك حكم عظيمة.

فمن تلك الحكم السعي إلى الزواج ومن ثم الإنجاب، ليتواصل التناسل وليحفظ المجتمع البشري من الانقراض. والإنجاب الطبيعي لا بد له من اتصال جنسي يسبقه بين الزوج والزوجة، ذلك لأن الإسلام لا يبيح أي علاقة جنسية خارج إطار الزواج الشرعي.

العلاقة الجنسية لا بد لها من مثيرات جنسية تسبقها لكي تبدأ. والمثيرات الجنسية كثيرة؛ فمنها نظر الرجال إلى النساء وهن متبرجات بزينة، أو وهن من غير لباس، أو العكس. أيضاً فإن ما يثير الغريزة الجنسية لدى أحد الأطراف قد يكون حديثه مع الطرف الاخر بأسلوب أو بطريقة معينة أو بكلام جنسي ما، أو بلمسه، أو بالإحتكاك به جسدياً...أو غير ذلك من المثيرات التي لا مجال لذكرها هنا.

المهم في الأمر وهو ما يتحدث عن بعضه موضوع الإدراج، هو أن عملية الإثارة الجنسية قد يتأكد حصولها حين تواجد المثير والمثارة معاً إذا ما تمت الإثارة من قبل أحد الطرفين، وقد يكون أحد الطرفين أو كليهما لاعباً لكلا الدورين، فقد يكون مثيراً ومثارا في ذات الوقتً.

أما التواجد المقصود فهو الذي يسمح بتفاعل الجنسين تجاه ما قد يثيرهما جنسياً، وتواجد الطرفين سوياً قد يكون مباشراً أو غير مباشر. فمن أمثلة التواجد غير المباشر التراسل عبر البريد الإلكتروني أو غيره.

وأما التواجد المباشر المعني فهو الذي يجتمع فيه الطرفان بجسديهما في مكان واحد.

وهذا التواجد قد يكون مشروعاً كخلوة الرجل بزوجته أو اختلاط عائلة الرجل مع زوجته ومعهم بعض محارمه من النساء، وقد يكون محرماً في شريعة الإسلام ومفضياً إلى الزنا، كخلوة المرأة والرجل الأجنبي عنها، وقد يتمثل التواجد المحرم باختلاط غير مشروع بين النساء والرجال الأجانب.

 

الاختلاط المحرم يعني حصول التداخل بين الرجال والنساء الأجانب بحيث تمكن المماسة بينهما. ويزيد من تحريمه عدم مراعاة الضوابط والاداب الإسلامية حين حدوثه.

وعند الحديث عن البيئات التي يمكن أن يحصل فيها الاختلاط المحرم، وهو حاصل في أيامنا هذه بشكل واضح وفاضح وواسع. فيمكن القول بأن هناك اختلاط محرم في كثير من المدارس والجامعات وأماكن العمل وفي الجلسات العائلية والأماكن العامة. ويوجد اختلاط محرم كذلك في معظم المسلسلات والبرامج الإعلامية على اختلاف أنواعها، ولا يستثنى منها ما يوصف بأنه ديني إسلامي أو دعوي، ولا الأعمال الخيرية مستثناة كذلك.

فالاختلاط المحرم لا يجوز في البرامج الدينية كما ذكر، ولا من أجل الدعوة حتى. فالداعي إلى الله وعلى سبيل المثال مطالب أكثر من غيره بالتزام أوامر الله، وأن يكون قدوة حسنة لمن يدعوهم، لا أن يختلط بالنساء وينظر إلى أبدانهن كما يفعل الفساق ومن لا خلاق لهم فتخالف أفعاله أقواله، ويعلم المدعوون عدم صدقه فيما يدعوا إليه. فالنظر إلى الأجنبيات والاختلاط بهن لا يجوز، وأن طريقة دعوة النساء ممكنة بطرق كثيرة تستلزم النظر إليهن، وإن الأولى فيها أن تكون عن طريق النساء أو أزواجهن ومحارمهن من الرجال، فإذا لم يوجد من يقوم بالدعوة إلى الله من هؤلاء قام بها أجنبي بطريقة مشروعة لاخلوة فيها ولا نظر إلى ما يحرم النظر إليه، وذلك ممكن ولا يلزم من دعوة المرأة أن ينظر الداعي إلى وجهها.

وبالجملة، فلا ينبغي الاجتماع رجالاً ونساءً لمناقشة الأمور الدعوية سداً للذريعة، وعملاً بهدي سلف هذه الأمة، ومثل هذه الاجتماعات المختلطة ولو كانت مقيدة بالكثير من التعاليم الشرعية الضابطة للاختلاط بين الجنسين، إلا أنها لا تناسب المحافظين على دينهم الملتزمين بضوابطه وادابه، وإذا كان الهدف من ذلك أخذ مشورة النساء وخبرتهن ومعرفة رأيهن مثلاً، فإن هذا متحقق بأي وسيلة أخرى، كأن تكون إحدى النساء محرماً لأحد الدعاة إلى الله، فتكون رسولة بينه وبين من يراد دعوتهن، وبهذا يتحقق الهدف المراد، ونحافظ على تعاليم ديننا في الوقت نفسه.

ولا شك بأن احتكاك الرجل بالنساء في الأماكن العامة وغيرها مما سبق ذكره من أماكن الاختلاط المحرم والنظر إليهن، وهن غير متحجبات ونحو ذلك يثير غريزته الجنسية، ومن ينكر ذلك فلا بد أنه يعاني من مشكلة جنسية أنصحه بالذهاب إلى الطبيب فلربما تعافى منها أو اكتشف بأنه عنين، ولذلك يجب عليه أن يبتعد عن هذه الأماكن، إلا إذا احتاج لها لقضاء حاجة له كشراء شيء ونحو ذلك، فعليه حينها أن يغض بصره، ويستشعر مراقبة الله له، ولا يمكث في تلك الأماكن إلا بقدر حاجته.

وأما المسلسلات فعربية كانت أو غير عربية فلا يخلو مسلسل منها من الموسيقى والمعازف المحرمة، كما أنها لا تخلو في الغالب من متبرجات كاشفات حاسرات عن رؤوسهن أو شعورهن، واضعات للمكياج والأصباغ وسائر أنواع الزينة مما لا يجوز أن تظهر به المرأة أمام الرجال الأجانب عنها، وإنما يختص جواز ذلك بالزوج أو المحارم وقد سبق الحديث عن ذلك. وقد يكون الدور التمثيلي يقتضي الاختلاط كمن يمثل دور أب لفتاة فإنه يعاملها وكأنها ابنته رغم أنها أجنبية عنه، فربما صافحها، أو عانقها...وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة حينما يكون دورها ابنة، أو أختاً أو أماً أو زوجة، فيحصل النظر المحرم من الطرفين، واللمس والتقبيل، وغير ذلك مما لا يجوز.

هذا ومن المعلوم أن أصحاب هذه المسلسلات يختارون –في أغلب الأدوار- أجمل النساء وأوسم الرجال بغرض الإثارة والتشويق، مما يكون له الأثر السيء على المشاهد، حيث وجد الكثير ممن يتعلقون ببعض الفنانين أو الفنانات لجمال الهيئة، فضلاً عمن يتخذ هؤلاء قدوة له في حياته. فعمل هؤلاء محرم، وهم بعملهم هذا ممن يزين الفاحشة ويحب أن تشيع في المجتمع، ومشاهدة هذه المسلسلات محرم قطعاً، ولا يسع مسلماً ولا مسلمة يؤمن بالله واليوم الاخر أن يجلس إلى شاشة التلفاز في وقت تعرض فيه هذه البرامج، ولا يجوز له السماح بمشاهدتها لمن تحت يده من أهل وذرية، بل الواجب على المسلم غض البصر عما حرم الله. ولنتخيل بيئة العمل التي سيعمل فيها فريق عمل المسلسل أو الفيلم أو غيره من البرامج المحرمة التي ذكرتها والمشابهة لها، ليتيقن المتيقن من احتمالية أن يتخللها خلوة واختلاط يحرمهما ديننا الإسلامي، ومن ذلك تتأكد حرمتها أيضاً!

ولا يجوز للمسلم الدراسة أو العمل أو التواجد في أي بيئة اختلاط محرم، لما في ذلك من محاذير شرعية، ولما يترتب عليه من التعرض للمفاسد إن لم يترتب عليه الوقوع فيها. إلا في حال الاضطرار إلى ذلك. وقد قدرت حالة الاضطرار تلك وعلى سبيل المثال بأن تكون المرأة بحاجة إلى عمل تنفق منه على نفسها لعدم وجود من ينفق عليها، وعدم إحسانها لصنعة تعملها كخياطة ونحوها لتعمل بها من بيتها، وأن يكون عملها متوقفاً على شهادة دراسية معينة. فعندئذ جاز لها الدراسة والعمل في تلك البيئات المختلطة اختلاطاً غير مشروع.

فإذا دعت الحاجة الرجل أو المرأة البقاء في أجواء مختلطة اختلاطاً غير مشروع بسبب ضرورة لا يمكن دفعها إلا بالبقاء فيها، فمن ضمن ما يأمر به ويحث عليه الإسلام كلاً من الرجل والمرأة أن يكون كل منهما متعففاً غاية التعفف في المخالطة، فعليه غض بصره وحفظ فرجه، وعدم القرب من الاخر واجتناب الجلوس بجانبه، والاقتصار على قدر الحاجة حين مخاطبة الجنس الاخر وأن لا يتم ترخيم الصوت عند الكلام، وأن يكون الحديث واضحاً لا ملاينة فيه ولا يخدش الحياء. والخطاب قد يكون باللسان والإشارة والكتابة، فهو عبارة عن كل ما يبين عن مقصود الإنسان، قال الله تعالى: (قال ايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً)، وقال الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما    جعل اللسان على الفؤاد دليلاً، وهذا يقود إلى أن على المسلمين الحذر من مخاطبة النساء عبر ما يعرف بمواقع الصداقة على الإنترنت، فذلك من طرق الشيطان وسبل الغواية، لأن الخطاب عن طريق الإنترنت مثله مثل الخطاب المباشر، فيتعين أن يكون في ساحة مفتوحة، كما يتعين فيه الإنضباط بكل ما يجب على المختلط بالجنس الاخر الانضباط به من الأوامر الشرعية الإسلامية، ومن ذلك فإذا كانت الصداقة بالواسطة ممنوعة محرمة، فإن كل علاقة أو صداقة أكثر قرباً ومباشرة، كالصداقة عبر الهاتف، أو اللقاء المباشر، أو غير ذلك أشد تحريماً وأعظم خطراً.

وعلى المرأة التحجب حجاباً كاملاً وأن لا تكون متعطرة ولا سافرة ولا متبرجة بزينة، وأن لا تخضع بالقول؛ والخضوع في القول هو اللين والتكسر مثل كلام المريبات والمومسات. وعلى المختلط  أن يسعى إلى تقليل المنكر ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وأن يختار رفقة صالحة تعينه على غض البصر وحفظ الفرج. كما أن عليه أن يرجع فوراً إلى مسكنه ومحضنه حال انتهاء غرضه من الخروج إلى تلك البيئة، وأن يجتهد غاية الاجتهاد في ترك الاختلاط المحرم بالكلية إن تيسر له السبيل إلى مجانبته.

وليس كل اختلاط بين الرجال والنساء يعد محرماً، فوجود النساء والرجال تحت سقف واحد في المسجد أو على مائدة واحدة وبدون حائل مع تمايز البعض عن البعض بأن تكون النساء في ناحية والرجال في ناحية ولو كانوا في قاعة واحدة لا يحرم، إن التزم كل من الجنسين بما يأمر ويوصي به الإسلام من يضطر إلى الاختلاط اختلاطاً محرما أثناء اختلاطه. وقد كان الاختلاط المشروع معروفاً في القرون السابقة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن الأحوط والأبرأ للذمة الابتعاد عن كل مكان يحصل فيه اختلاط بين الجنسين في هذا الزمان الذي قل فيه الوازع الديني وكثر فيه الفساد.

كما أن المجالس العائلية إن التزمت بضوابط الشرع في الاختلاط جاز وإلا فلا، وإن كان الأفضل كما يرى العلماء بأن يكون للنساء مجلس، وللرجال مجلس، سداً لذريعة الإخلال بضوابط الشرع في تلك المجالس، سيما بين الشباب والشابات.

والله أعلم...




الحمد لله رب العالمين